ابن أبي مخرمة
659
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
بالصبر والاحتساب ، وتبعث على الطلب والاكتساب ، وقال آخرون : يؤمر بالإنفاق ، ولا يحمل على الطلاق ، فلم تفهم المرأة قوله ، وأعادت مسألتها ، فقال لها : يا هذه ؛ قد أجبتك عن مسألتك ، وأرشدتك إلى طلبتك ، ولست بسلطان فأمضي ، ولا قاض فأقضي ، ولا زوج فأرضي ، فانصرفت ولم تفهم جوابه . وصنف في عنفوان شبابه كتاب « الزهرة » ، وهو مجموع أدب ، أتى فيه بكل غريبة ونادرة وشعر رائق ، وكان يناظر أبا العباس بن سريج . واجتمع يوما هو وأبو العباس بن سريج في مجلس الوزير ابن الجراح ، فتناظرا في الإيلاء ، فقال له ابن سريج : أنت بقولك : من كثرت لحظاته . . دامت حسراته أبصر منك بالكلام في الإيلاء ، فقال له ابن داود : لئن قلت ذلك . . فإني أقول : [ من الطويل ] أنزّه في روض المحاسن مقلتي * وأمنع نفسي أن تنال محرّما وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه * يصبّ على الصخر الأصمّ لهدّما وينطق طرفي عن مترجم خاطري * فلو لا اختلاسي ردّه لتكلّما رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم * فما إن أرى حبا صحيحا مسلّما فقال له ابن سريج : ولم تفتخر علي ولو شئت أنا أيضا . . لقلت : [ من الكامل ] ومسامر بالغنج من لحظاته * قد بتّ أمنعه لذيذ سناته ضنا بحسن حديثه وغنائه * وأكرر اللحظات في وجناته حتى إذا ما الصبح لاح عموده * ولى بخاتم ربه وبراته فقال ابن داود : يحفظ الوزير عليه ذلك حتى يقيم شاهدي عدل أنه ولى بخاتم ربه وبراته ، فقال ابن سريج : يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك : أنزه في روض المحاسن مقلتي * وأمنع نفسي أن تنال محرما فضحك الوزير وقال : لقد جمعتما ظرفا ولطفا ، وفهما وعلما . توفي يوم الاثنين تاسع شهر رمضان من سنة سبع وتسعين - أو ثمان وتسعين - ومائتين وعمره إذ ذاك اثنتان وأربعون سنة ، ويوم وفاته هو اليوم الذي توفي فيه القاضي يوسف بن يعقوب الأزدي . قال الشيخ اليافعي : ( ونقل ابن خلكان عنه حكاية لا تصح ؛ فإنه قال : ويحكى أنه لما بلغته وفاة ابن سريج . . كان يكتب شيئا ، فألقى الكراس من يده وقال : مات من كنت أحث